وهبة الزحيلي
213
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والوعيد على سوء صنيعهم ، وهو توسط بين طرفي قصة ، من حيث إن مساقها لتسلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلم والترويح عنه بأن أباه خليل اللّه مني بنحو ما مني به من شرك القوم وتكذيبهم ، وتشبيه حاله فيهم بحال إبراهيم في قومه . يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ أي يخلقهم ابتداء من مادة وغيرها . ثُمَّ يُعِيدُهُ يعيد الخلق بعد الموت كما بدأهم . إِنَّ ذلِكَ المذكور من الخلق والإعادة . عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ إذ لا يفتقر في فعله إلى شيء ، فكيف ينكرون الثاني ؟ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ لمن كان قبلكم وأماتهم ، على اختلاف الأجناس والأحوال . ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ هي إعادة الخلق مرة أخرى ، بعد النشأة الأولى التي هي الإبداء ، فإنه والإعادة نشأتان ، من حيث إن كلّا منهما اختراع وإخراج من العدم ، فالنشأة : الخلق والإيجاد . إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومنه البدء والإعادة ؛ لأن قدرته لذاته وكل الممكنات بالنسبة إلى ذاته سواء ، فيقدر على النشأة الأخرى ، كما قدر على النشأة الأولى . يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه . وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ رحمته . وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ أي تردّون بعد موتكم . بِمُعْجِزِينَ ربكم عن إدراككم ، أي جاعلين اللّه عاجزا . فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أي لا تفوتونه أينما كنتم ، سواء بالتواري في الأرض أو التحصن في السماء . مِنْ دُونِ اللَّهِ غيره . مِنْ وَلِيٍّ قريب ، أو متولي الأمر يمنعكم منه . وَلا نَصِيرٍ معين ، ينصركم من عذابه . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ بدلائل وحدانيته أو بكتبه . وَلِقائِهِ بالبعث . يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي أي ييأسون منها يوم القيامة ، فعبر عنه بالماضي لتحقق الوقوع والمبالغة فيه . وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم بكفرهم . المناسبة : بعد الانتهاء من بيان قصة نوح أبي البشر الثاني عليه السلام ، أورد اللّه تعالى قصة إبراهيم عليه السلام أبي الأنبياء وإمام الحنفاء ، بقصد عرض نماذج من سيرة الأنبياء للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ليتأسى بهم ، ويسلو عما أهمه من إعراض قومه عن دعوته ، كما بيّنت .